التخلص من الحياة .. لماذا؟

لماذا يقرر إنسان التخلص من حياته وما الذى يدفعه إلى هذا الأمر مهما كان السبب، رغم أنه على يقين بغض النظر عن سبب الانتحار أنه إذا كان يهدف للتخلص من عذاب الدنيا فلن يفلت من عذاب الآخرة؟!.

الانتحار هو فعل قتل الإنسان لنفسه للتخلص من حياته فى لحظة فقدان تام لأى أمل. وبالطبع هى لحظة خلل فى التفكير وفقدان للمنطق لأنه لا يوجد شىء اسمه فقدان تام للأمل. فطالما هناك حياة وهناك روح فى جسد الإنسان وهذه الروح من وبإذن ربها وهو فقط الذى يعلم ماذا سيحدث فى المستقبل، فليس هناك شىء اسمه لا أمل.

وفى الطب النفسى هناك أسباب وأنواع للانتحار، ويعد “مرض الاكتئاب” أحد أهم أسباب الانتحار، مريض الاكتئاب والذى يفكر ويخطط ويقدم على الانتحار بمنتهى السهولة ويستخدم الوسائل الأكيدة ليضمن نجاح الخطة والوصول لغايته، وهى الموت للتخلص من شعوره البغيض، والذى يتمثل فى فقدان لذة وطعم ومعنى ومتعة أى شىء فى الحياة والضيق والحزن والظلمة التامة من حوله، فمريض الاكتئاب يقول إن عذاب النار أهون مما أشعر به الآن، نتيجة نظرتة السوداوية للحياة، ولهذا فإن الاكتئاب يجعل الإنسان خطراً على نفسه، وما نقصده بالاكتئاب ليس الذى يصف الناس به حالتهم الآن نتيجة شعورهم بالإحباط أو اعتلال المزاج أو عدم القدرة على التكيف مع ضعوط الحياة.

والاكتئاب يأتى من خلل كيميائى فى المخ يؤدى إلى اضطراب التفكير والمشاعر، المكتئب يرى ويدرك أن كل شىء مظلم وسلبى ماضيه وحاضره ومستقبله، يرى أنه لا معنى ولا فائدة من الحياة ومن وجوده وأحيانا يشعر بالعدمية أى أنه أو حتى جزء من جسمه غير موجود ويصدق هذا الشعور ويعتبره حقيقة مؤكدة، فهناك بعض مرضى الاكتئاب الجسيم الذهانى يشكون أو يصفونها كحقيقة وليس شكوى، مثل إنه لا قلب أو معدة أو مخ له وتسمى هذه ضلالات العدمية(!)، والحمد لله أن علاج الاكتئاب أصبح الآن بسيطاً وأكيداً.

سبب آخر للانتحار هو مرض الفصام حيث يعانى المريض من سيطرة  الضلالات عليه، أى الأفكار والمعتقدات الخاطئة، حيث يعتقد يقيناً أنه مضطهد أو مراقب أو أن كل الناس تتعمد مضايقته بالكلام أو الحركات وأيضا لديه الهلاوس السمعية أو البصرية أو الحسية، فهو يسمع أصواتا قد تعلق عليه أو على تصرفاته وقد تأمره بفعل أشياء مثل إيذاء النفس أو بالانتحار وبما أن مريض الفصام يعانى غالبا من عدم الإدراك والمعرفة بأنه مريض، ويعتقد أن كل ما يحدث له هو حقيقة، ولهذا فإنه يتصرف على أساس هذه الضلالات أو الهلاوس، وبعض مرضى الفصام، وهم قلة يدركون أنهم مرضى ويقدمون على الانتحار لعدم قدرتهم على مواجهة الحياة والحمد لله أيضا تتوافر لهذا المرض علاجات كثيرة.

 

ومن أسباب الانتحار أيضا مرض الإدمان وخاصة إدمان الكحوليات لأنها قد تصيب الإنسان على المدى البعيد بمرض الاكتئاب، ويكون فقدان الأمل كبيراً بسبب مرض الاكتئاب، ولفقدان القدرة على التعافى من الإدمان خاصة بعد عدة محاولات فاشلة للعلاج، فيقدم المريض على الانتحار.

وقد تقوم الأم بقتل وليدها خاصة بعد الولادة مباشرة والذى يكون بسبب اكتئاب وذهان بعد الولادة وهو أيضا خلل هرمونى وكيميائى يؤدى هذا الشعور المرضى بالاكتئاب الشديد وقتل الطفل لرحمته من العذاب المؤكد الذى سيراه فى هذه الدنيا، ولذلك يتم فصل الأم عن أطفالها عند وضع هذا التشخيص وحتى يتم العلاج والشفاء.

وقد تؤدى بعض أنواع اضطرابات الشخصية إلى التفكير فى الانتحار، واضطراب الشخصية هو عبارة عن وجود بعض سمات مضطربة فى شخصية الإنسان لدرجة تؤدى إلى التسبب فى إعاقة حياته الاجتماعية أو العملية، والشخصية البينية هو أحد اضطراب الشخصية ويتسم صاحب أو صاحبة هذه الشخصية بعدم استقرار العلاقات الشخصية أو الاجتماعية، فهذه الشخصية قد ترتبط بإنسان وتحبه وترى أنه أقرب وأحسن إنسان فى الدنيا بسرعة شديدة وبعدها وفى فترة قصيرة، وعند حدوث أى شىء صغير ومضايقة صغيرة من هذا الشخص ينقلب الحال تماما ويصبح شخصاً خائناً ووضيعاً ولا يستحق هذا الحب أو هذه الثقة.

أيضا هى شخصيات متقلبة المزاج بشدة ومندفعة بشدة فيقدمون على بعض الأفعال المندفعة التى قد تكون مأساوية أو كارثية مثل الانتحار المتسرع المندفع لأسباب تافهة، ومعظم محاولاتهم لا تؤدى إلى الموت لأن أغلبها اندفاعية تهدف إلى جذب انتباه وتعاطف الآخرين أكثر منه للتخلص من الحياة حقيقة مثل مريض الاكتئاب، ولذلك فالطريقة تكون مختلفة تماما.

مريض الاكتئاب بعد الوصول لقرار الانتحار يبدى بعض التحسن، ثم يخطط ويختار وسيلة أكيدة للانتحار، بل ويضمن عدم وجود أحد لإنقاذه، أما مضطرب الشخصية المندفع فيفعل العكس ولكن البعض لا يتم إنقاذهم ويموتون (قطع الشرايين، تناول عدد كبير من الأقراص…) يقوم البعض وهم قليلون بالانتحار لأسباب مادية أو اجتماعية أو عاطفية وأيضا تكون لديهم بعض سمات الشخصية المضطربة مثل الشخصيات التى تتسم بعدم النضج الانفعالى والوجدانى أو الشخصية الاعتمادية مثل الذى يعتمد نفسيا تماما على حبيبته ويتعلق بها عاطفيا ونفسيا لدرجة مرضية ويقتنع أنه لا حياة له بدونها بعد فقدها، فقد يكون فى ذلك رسالة لحبيبته بأن هى السبب فى هذه المأساة وليشعرها بالذنب بقية عمرها فهو أيضا انتقام (!).

واذا تعددت الأمراض والظروف النفسية التى قد تدفع الإنسان إلى اتخاذ قرار بالتخلص من حياته، لابد وأن يدرك الجميع أن هناك الخالق سبحانه وتعالى قادر أن يدبر الأمور، وقادر على تغيير الأجواء السلبية المحيطة بالإنسان فى لحظة، لابد أن نثق فى قدرتنا على المضى فى واقع جديد، وعدم ترك أنفسنا فريسة للحظة انكسار عابرة، كما أنه لابد وأن نعى جميعا طبيعة المريض النفسى وكيفية التعامل معه، وإخضاعه للعلاج، حيث شهد تقدما مذهلا خلال الأعوام القليلة الماضية، أى أن ما نحتاج إليه الإيمان بالله حقاً، والوعى بالأمراض النفسية والأسلوب الأمثل للتعامل مع المريض.

2020-01-22T10:09:12+00:00